السبت، 5 نوفمبر 2016

الشاعرة المبدعة / مريم كباش ......فى قصة رائعة بعنوان ((يــا ســـو د ا))

 


قصّة : يــا ســـو د ا ..
=============
يناديها مازحاً , كما يحلو له كلما حادثها : ياسودا ..!!
ويكررها كثيراً متعمّداً إثارة غيظها , تتصنع ابتسامة باهتة , تتجاهل الكلمة , عندما تخلو بنفسها تسأل مرآتها باستغراب : لمَ ينعتني بالسّواد مع أنني لست كذلك ؟!
نعم هي تحب اللّون الأسود , تذكرت عندما تذهب للسّوق لتشتري ملابس جديدة , كانت في كلّ مرّة تصر على اللّون الأسود , لاتعرف سرّ الانجذاب له .
لماذا يلصق بي تهمة السّواد ؟! كانت تتساءل ! لاتدري لمَ رحلت بذاكرتها إلى طفولتها البعيدة , عندما كانت في السّابعة من عمرها , هاهي في يومها الأول من المدرسة , وفي الصّف , والمعلّمة تنادي أسماء الطلاب , فيقف من ذكر اسمه فرحاً متباهياً ,إلّا هي لم تذكر المعلمة اسمها , ترى لماذا تجاهلتها , مع أنّ المعلمة ظلّت تردد اسماً لفتاة ولا من مجيب ! سألت المعلمة : من لم يذكر اسمه ؟ وقفت حزينة وقالت : أنا ! سألتها : مااسمك ؟
قالت : " ميمي " ..! وذكرت لها اسم عائلتها .
ابتسمت المعلمة بلطف وحنان وقالت : هذا ليس اسمك , هذا اسم يطلق أحيانا على الكلب بينما اسمك رائع وجميل ويجب أن لا تسمحي لأحد أن يناديك إلا به ..!! انفجر طلاب الصّف بضحكات ساخرة , بينما جلست هي غاضبة باكية , كم شعرت بالمهانة , وطعم الحزن الأسود ..!! كيف تجرؤ عائلتها وأقاربها بمناداتها بهذا الاسم السّخيف ؟؟!!
ابتسمت للذكرى البعيدة , رددت في سرّها : ربما ينعتني بالسّواد لأن الحزن صبغ حياتي منذ ولادتي , فأنا البنت الثّانية في العائلة , في مجتمعٍ شرقيّ تحكمه عادات بالية , ومفاهيم سيئة , ترى في المولود الذكر فأل خير وبركة بينما البنت شؤم و عار وهمّ , ربما البنت الأولى لم تكن بالهمّ الكبير , ولكن أن تنجب الأم بنتاً ثانية فهذا نذير سوء كما قالت جدتي لأبي وهي تندب حظّه وترثيه : أنجبت زوجتك بنتاً ؟!! اللّه يعينك على ماابتلاك ياابني !! ماأكبر همّك .. !! ياحسرتي عليك ياعين أمّك !!!
عندما كبرت بقيت تلك الكلمات تلقي بظلالها السوداء على مشاعرها المرهفة , وتعكس سواد الخيبه , وسواد الأمل المكسور , وظل سواد الخوف والقلق يكبر معها وخاصّة في ظروف عائلتها الصعبة , فأمّها تضطر للتغيب كثيراً عن البيت والعمل لتساعد زوجها في مصروف البنات والبيت , لذلك كانت تشعر بسواد الوحدة الروحية العميقة فلا أحد يحسّ بطفولتها , وأحلامها , وحاجتها للحنان , وأمنياتها , ومشاعرها الحساسة تخترع ألعاباً , وأصدقاءً , وأحياناً أمّاً وأباً , وأقرباء ...لتتواصل معهم ...
ترى هل يناديها " ياسودا " لأن مراهقتها كانت سلسلة من خيبات عاطفيّة بائسة جللتها بالحزن والدمع الأسود ؟!! أم تراه يعرف حجم معاناتها من الفقد والرّحيل , في سني الحرب القذرة الدّائرة على بلادها ؟! وما تعانيه بسببها حتى لبسها سواد من الظروف القاهرة , وسواد غربة الأحبّة ورحيلهم , وسواد نفاق الأشخاص حولها , وسواد فقد البيت والمال , وسواد الفرح المنسي , والحبّ المفقود , والأمان الضّائع , والحلم المتبخر , والأمل المريض .... ربما كل ذلك ينعكس عليها .. سواداً وكآبة في وجهها , وغصّة في حديثها , وحرقة في دمعتها , ووجعاً في ابتسامتها , وألماً في صمتها , وقهراً في حياتها , ودمعة مخنوقةً في حروفها ....
قالت : ربما أنا سودا ..لأنه لا أحد يجيد العزف على أوتار البؤس كالأسود , ولا لون يبرع في رسم الحداد الذي يسكن حنايا روحي كالأسود . ربما هو على حقّ أنا سودا , أحاول كنجمةٍ هاربةٍ من اللّيل الأسود السّطوع والفرح , ولكن لم أفلح , فظلمة الأحزان كانت دائماً أقوى ...
مع أنها أحبت حضوره الطّاغي , وظلّه المحبب , وطلّته المميزة , وابتسامته المشرقة وكلماته الشّجاعة , وطرافة سخريته , وطريقته المبتكرة بالنّقد واللّوم ... لكن كلمته تلك " ياسودا " كانت تنكأ شجونها الماضية , وتثير أحزانها الحاضرة , وتعيد لها شريط ذكرياتها ومامر بها من سواد ..
ومع أنّها كانت تشعر بالامتعاض الشّديد من تلك الكلمة , وتحاول جاهدة تجاهلها ونسيانها إلا أنّها حفّزت فيها دافعاً قويّاً للتحدّي والرّفض ... فالت : حسناً لاضير أن ينعتني بتلك الكلمة سواء ساخراً أم بحسن نيّة , سواء عن عمدٍ أو بغير قصد , نعم أنا سودا ... فالسّواد وإن كان يعبر عن الحزن والألم والتعاسة والوحدة والفقد والفراق والانكسار والكآبة والخيبات ...
إلا أنّه سيبقى سيد الألوان , فلولاه لما كان لبقية الألوان من معنى , والأسود لون السحر, والجمال , والرّقي , والأناقة , والنبل , والتميز , والقداسة .... حلّة الكعبة سوداء , والمسلمون يقدسون في حجّهم الحجر الأسود , ورجال الكهنوت المسيحيون يرتدون الأسود من الثياب ...
والليل لايحلو فيه السّمر إلا إذا ازداد سواده ...
كتبت له : نعم أنا سوده ولي الفخر , ألم تسمع قول الشّاعر :
وأن العين أجمل مايكون سوادها ::::::: ولو ابيضت تماماً لذهب البصر
ألم تر أن خير غيوم الشتاء السوداء لاختزانها المطر والبركة والعطاء !!
نعم أنا سودا وأحبّ سوادي وإن كنت تعيرني بالسواد فلأنك جاهل حقاً ألم تسمع قول مجنون ليلى :
وقالوا عنك سوداء حبشيّة ::::::: ولولا سواد المسك ماانباع غالياً
رفعت رأسها بكيرياء ورضى , ابتسمت ابتسامة المنتصر , فالت بزهوّ عجيب :
نعم أنا سودا .... والأسود يليق بي .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

معرض الصور

تعديل

قسم 1

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

مقالات

قسم 2

Translate

فيديو اليوم

Disqus for TH3 PROFessional

صور فليكر

التكنولوجيا

إعلانات