ذكريات المطر : إحدى روائع ريحانة الشام الشاعرة القديرة / مريم كباش
تدندن حبّات المطر على خشب نافذتها , تستيقظ ذكرياتها الموجعة , تبلل ماء
المآقي وجنتيها , محدثة أخاديد من وجع , تمدّ يدها إلى ستار النّافذة ,
تبعدها قليلاً عن الزّجاج المتلبس بالصّقيع , القطرات المطريّة تصبح أكبر
حجماً , وأكثر ضراوة وطرقاً على نافذتها مخترقة ذاكرتها بسيلٍٍ من الذكريات
والصّور , محدثة في أعماقها جرفاً من الحزن العميق , تفتح النّافذة لجنون
الرّيح , تسمح لها بالدّخول , تستقبل برودة الطقس , تمدّ يدها لتعانق حبّات
المطر , تغمض عينيها , لتسافر بخيالها إلى عالمٍ بعيد , فيه لقاء جميل ,
وحبّ كبير , عالم فيه حنان وأمان , فرح وسلام , فيه لوحة مطر يروي ظمأ شوقٍ
وانتظار عودة ترى وجهه يبتسم لها , تعانقه بفيض أمل وألم , تناديه بتوسل
هامس رقيق , ترجوه كعصفورة تنشد من وليفها الإياب : حبيبي .. تعال ! تعال
كل يومٍ مع المطر , دع طيفك الغالي يروي حنيني , صحراءٌ هي حياتي في الغياب
..
تغلق النّافذة من جديد , تستقرّ على أريكة كانا يجلسان عليها معاً ,
تتلمس مكانه الخالي , تراه يعبر النّافذة المغلقة و جنون المطر , ويجلس
بجوارها , فيشرق وجهها بابتسامة تلمع لها عيناها , تفتح دفتر مذكراتها ,
تقلبها ورقة ورقة , تقرأ في أوّل صفحة: " كم كنت أحبّ الطّريق المؤدي إلى
الجامعة , أراك هناك في غدوّي ورواحي تلاحقني نظراتك الشّغوف , يبتسم قلبي
خلسة لنظرة حب وإ عجاب ترسلها من بعيد ثم تتبعها بابتسامة عاشق ماكرة ,
ووردة تضعها بيدي ..."
ينهمر مطرٌ سخيٌّ من عيونها يبلل صفحتها , تقلب
سريعاً , في الورقة الأخيرة تمسك القلم وتكتب : أشتاق إليك جداً .. بعدد
حبّات المطر , وتعاني روحي صقيع البعد كما صقيع الشتاء ,يهيج حنيني هذا
المطر , أتذكر كم كنّا نمشي معاً تحت زخّات المطر وكيف كنّا نرقص على أنغام
تساقط قطراته الممتلئة بالخير والفرح ...
تسمع نقراً خفيفاً على زجاج
نافذتها , بدا لها أنّه صوت تعرفه , هو دافيء وحنون , تفتح النّافذة مسرعة ,
ترى هناك نوراً يمتدّ بألقٍ رائع وألوان ساحرة , تتبع النّور بنظرها
وقلبها تراه يعانق وجه السّماء , يطلّ طيفه متلألئاً بالضياء , يلوّح لها
بحبّ , تسمع صوته يهمس لها : مازلت أحبك بجنون , وأعشق الوطن
تظل يدها
تلوّح له بالسّلام , تضحك لوجهه يومض به البرق الّلامع , تعود إلى مكانها
منتشية من لقاء بين حبيبة على الأرض وشهيدٍ في السّماء .
وظلّت الوردة الحمراء بين صفحات مذكراتها تكتب قصيدة لحبيبٍ عشقته, وهو بدمه كتب عشق الوطن .
..................... مريم كباش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.