الاثنين، 18 أبريل 2016

ذكريات المطر : إحدى روائع ريحانة الشام الشاعرة القديرة / مريم كباش




تدندن حبّات المطر على خشب نافذتها , تستيقظ ذكرياتها الموجعة , تبلل ماء المآقي وجنتيها , محدثة أخاديد من وجع , تمدّ يدها إلى ستار النّافذة , تبعدها قليلاً عن الزّجاج المتلبس بالصّقيع , القطرات المطريّة تصبح أكبر حجماً , وأكثر ضراوة وطرقاً على نافذتها مخترقة ذاكرتها بسيلٍٍ من الذكريات والصّور , محدثة في أعماقها جرفاً من الحزن العميق , تفتح النّافذة لجنون الرّيح , تسمح لها بالدّخول , تستقبل برودة الطقس , تمدّ يدها لتعانق حبّات المطر , تغمض عينيها , لتسافر بخيالها إلى عالمٍ بعيد , فيه لقاء جميل , وحبّ كبير , عالم فيه حنان وأمان , فرح وسلام , فيه لوحة مطر يروي ظمأ شوقٍ وانتظار عودة ترى وجهه يبتسم لها , تعانقه بفيض أمل وألم , تناديه بتوسل هامس رقيق , ترجوه كعصفورة تنشد من وليفها الإياب : حبيبي .. تعال ! تعال كل يومٍ مع المطر , دع طيفك الغالي يروي حنيني , صحراءٌ هي حياتي في الغياب ..
تغلق النّافذة من جديد , تستقرّ على أريكة كانا يجلسان عليها معاً , تتلمس مكانه الخالي , تراه يعبر النّافذة المغلقة و جنون المطر , ويجلس بجوارها , فيشرق وجهها بابتسامة تلمع لها عيناها , تفتح دفتر مذكراتها , تقلبها ورقة ورقة , تقرأ في أوّل صفحة: " كم كنت أحبّ الطّريق المؤدي إلى الجامعة , أراك هناك في غدوّي ورواحي تلاحقني نظراتك الشّغوف , يبتسم قلبي خلسة لنظرة حب وإ عجاب ترسلها من بعيد ثم تتبعها بابتسامة عاشق ماكرة , ووردة تضعها بيدي ..."
ينهمر مطرٌ سخيٌّ من عيونها يبلل صفحتها , تقلب سريعاً , في الورقة الأخيرة تمسك القلم وتكتب : أشتاق إليك جداً .. بعدد حبّات المطر , وتعاني روحي صقيع البعد كما صقيع الشتاء ,يهيج حنيني هذا المطر , أتذكر كم كنّا نمشي معاً تحت زخّات المطر وكيف كنّا نرقص على أنغام تساقط قطراته الممتلئة بالخير والفرح ...
تسمع نقراً خفيفاً على زجاج نافذتها , بدا لها أنّه صوت تعرفه , هو دافيء وحنون , تفتح النّافذة مسرعة , ترى هناك نوراً يمتدّ بألقٍ رائع وألوان ساحرة , تتبع النّور بنظرها وقلبها تراه يعانق وجه السّماء , يطلّ طيفه متلألئاً بالضياء , يلوّح لها بحبّ , تسمع صوته يهمس لها : مازلت أحبك بجنون , وأعشق الوطن
تظل يدها تلوّح له بالسّلام , تضحك لوجهه يومض به البرق الّلامع , تعود إلى مكانها منتشية من لقاء بين حبيبة على الأرض وشهيدٍ في السّماء .
وظلّت الوردة الحمراء بين صفحات مذكراتها تكتب قصيدة لحبيبٍ عشقته, وهو بدمه كتب عشق الوطن .

..................... مريم كباش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

معرض الصور

تعديل

قسم 1

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

مقالات

قسم 2

Translate

فيديو اليوم

Disqus for TH3 PROFessional

صور فليكر

التكنولوجيا

إعلانات